الشيخ محمد هادي معرفة
30
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فإنّ المراد به هو اللوح المحفوظ ، وهو كناية عن علمه تعالى الأزلي . وأمّا حديث عبداللّه بن مسعود : « من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدبّر القرآن » فقد أراد علم الشرائع ومكارم الأخلاق ، لأنّ ذلك هو ممكن الاستفادة من القرآن لمن أرادها . نعم ، كان استدلال أبي حامد الغزالي معقولًا : إنّ العلوم كلّها داخلة في أفعال اللّه عزّ وجلّ وصفاته ، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته ، وهذه العلوم لا نهاية لها ، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها . . . إنّه يعني أنّ ما يبدو في هذا الوجود من علوم وفنون ومعارف فإنّها تجلّيات لصفاته تعالى ، وبما أنّ القرآن مهبط ظهور هذه التجلّيات فلابدّ أن تتجلّى من خلال كلماته وجمله وعباراته ما يشي بمبادئ تلك الظهورات . وإن كانت في صورة رشحات وخطفات عابرة . لأنّها صادرة من ذلك البحر الخضمّ المتلاطم . فالذي نقول به ونعتقده ، هو : أنّ قطعيّات العلوم والمعارف البشرية تجعل باستطاعتنا القدرة على فهم معاني القرآن ، وأنّ في القرآن إشارات عابرة إلى أسرار الوجود ، لا يمكن فهم حقيقتها إلّا بعد معرفة جملة من العلوم والوقوف على كثير من أسرار الطبيعة الكامنة التي كشفها العلم وسيكشفها على استمرار ، وهي خير وسيلة نافعة للحصول على فهم كتاب اللّه وكشف رموزها وإشاراتها الخافية . نعم ، ليست هذه الوسيلة - مهما كانت قطعيّة الآن - بحاسمة ، ما دام العلم في طريقه إلى التكامل ولميبلغ الغاية ، وإنّما هو مجرّد احتمال مبنيّ على العلم الحاضر ، هذا فحسب . هل وقع التحدّي بالجانب العلمي ؟ هل وقع التحدّي بجانب إعجاز القرآن العلمي كما وقع بجوانب الإعجاز البياني من فصاحة وبيان ونظم وأسلوب ؟ لاشكّ أنّ الإعجاز قائم - في الجملة - بهذا الجانب كسائر الجوانب ، أمّا التحدّي فقد